ذكر مسير الحسين إلى الكوفة
قيل: لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة فقال له: إني أتيتك لحاجته أريد ذكرها نصيحةً لك فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد.
فقال له: قل فوالله ما أستغشك وما أظنك بشيء من الهوى.
قال له: قد بلغني أنك تريد العراق وإني مشفقٌ عليك إنك تأتي بلدًا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه.
فقال له الحسين: جزاك الله خيرًا يا ابن عم فقد علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك أو تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح.
قال: وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق فبين لي ما أنت صانع فقال له: قد أجمعت السير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى.فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك خبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب ولا آمن عليك أن يغزوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا ويخذلوك ويستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك.
فقال الحسين: فإني أستخير الله وأنظر ما يكون.
فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعةً ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم خبرني ما تريد أن تصنع فقال الحسين: لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير الله.
فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها.ثم خشي أن يتهمه فقال له: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ههنا لما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك.
فقال له الحسين: إن أبي حدثني أن لها كبشًا به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش.
قال: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى.
قال: ولا أريد هذا أيضًا.
ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا ندري جعلنا الله فداك! قال: إنه يقول: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس ثم قال له الحسين: والله لئن أقتل خارجًا منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها ولأن أقتل خارجًا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجًا منها بشبر وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم! والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت.
فقام ابن الزبير فخرج من عنده.
فقال الحسين: إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له.
قال: فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال إن أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم أقدم عليهم فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونًا وشعابًا وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاءك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.
فقال له الحسين: يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق وقد أزمعت وأجمعت المسير.
فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرًا فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.
ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك.
ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير! ثم أنشد قائلًا: يا لك من قبرةٍ بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.
قيل: وكان الحسين يقول: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم المرأة.
قال: والفرم خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت.
ثم خرج الحسين يوم التروية فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص وهو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى يمنعونه فأبى عليهم ومضى وتضاربوا بالسياط وامتنع الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم فرأى بها عيرًا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعلى العير الورس والحلل فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء فمن فارق منهم أعطاه حقه ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه.ثم سار فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب.
فقال له الحسين: بين لي خبر الناس خلفك.
قال: الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء.
فقال الحسين: صدقت لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته
قال: وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد وفيه: أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي والسلام.
وقيل: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين كتابًا تجعل له الأمان فيه وتمنيه في البر والصلة واسأله الرجوع.
وكان عمرو عامل يزيد على مكة ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر فلحقاه وقرآ عليه الكتاب وجهدا أن يرجع فلم يفعل وكان مما اعتذر به إليهما أن قال: إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمرت فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له علي كان أو لي.فقالا: ما تلك الرؤيا قال: ما حدثت بها أحدًا وما أنا محدث بها أحدًا حتى ألقى ربي.
ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته فنزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم فلما انتهى قيسٌ إلى القادسية أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد
فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي.
فصعد قيسٌ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي.فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع فمات.ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع فلما رآه قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله! ما أقدمك فاحتمله فأنزله فأخبره الحسين فقال له عبد الله: أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك أنشدك الله في حرمة قريش أنشدك الله في حرمة العرب فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدًا أبدًا والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية! فأبى إلا أن يمضي.
وكان زهير بن القين البجلي قد حج وكان عثمانيًا فلما عاد جمعهما الطريق وكان يساير الحسين من مكة إلا أنه لا ينزل معه فاستدعاه يومًا الحسين فشق عليه ذلك ثم أجابه على كره فلما عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد وسأحدثكم حديثًا غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا: إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحًا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم فأما أنا فأستودعكم الله! ثم طلق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك في سببي إلا خير.
ولزم الحسين حتى قتل معه.
وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية فقال له بعض أصحابه: ننشدك إلا رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك! فوثب بنو عقيل وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء.
فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيلٍ ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع.
ثم ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه حتى انتهى إلى زبالة فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله فأخذته خيل الحصين فسيره من القادسية إلى ابن زياد فقال له: اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي.فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه فألقاه من القصر فتكسرت عظامه وبقي به رمق فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحه.
فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك وقال: قد خذلنا شيعتنا فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام.
فتفرقوا يمينًا وشمالًا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علام يقدمون.
ثم سار حتى نزل بطن العقبة فلقيه رجلٌ من العرب فقال له: أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأيًا فأما على هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل.
فقال: إنه لا يخفى علي ما ذكرت ولكن الله عز وجل لا يغلب على أمره.ثم ارتحل منها.
ذكر عدة حوادث
وفي هذه السنة حج بالناس عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق وكان العامل على مكة والمدينة وفيها مات جرهد الأسلمي له صحبة.
وفي أيام معاوية مات حارثة بن النعمان الأنصاري وهو بدريٌّ.
وفي أيامه أيضًا مات دحية ابن خليفة الكلبي الذي كان يشبهه جبرائيل إذا أنزل بالوحي.
وفي أول خلافته مات رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري وكان بدريًا وشهد مع علي الجمل وصفين.
وفي أيامه مات عمرو بن أمية الضمري بالمدينة.
وفي أيامه مات عثمان بن حنيف الأنصاري وعثمان بن أبي العاص الثقفي.وفي أيامه مات عتبان بن مالك الأنصاري بدمشق.
وفي أيامه بعد سنة سبع وخمسين مات السائب بن أبي وداعة السهمي.
ومات في أيامه سراقة بن عمرو الأنصاري وهو بدريٌّ.
وفي أيامه مات زياد بن لبيد الأنصاري في أولها وهو بدريٌّ.وفي أيامه مات معقل بن يسار المزني وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة وقيل: مات في أيام يزيد.معقل بالعين المهملة والقاف.
ويسار بالياء المثناة والسين المهملة.
وفي أيامه مات ناجية بن جندب بن عمير صاحب بدن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيها مات نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري وهو الذي كان فيه مزاح ودعابة وشهد بدرًا وقيل: بل الذي مات ابنه.
وفي آخر أيامه مات عبد الله بن مالك بن بحينة له صحبة.
وفيها مات عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني بالبصرة.
ومغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة.
وفي أيامه مات هند بن جارية بن هند الأسلمي.
وفي سنة ستين توفي حكيم بن حزام وله مائة وعشرون سنة ستون في الجاهلية وستون في الإسلام.
وفيها مات أبو أسيد الساعدي واسمه مالك بن ربيعة وهو بدريٌّ وقيل: مات سنة خمس وستين وهو آخر من مات من البدريين وقيل: مات سنة ثلاثين ولا يصح.
وفي أول أيام معاوية مات أبو بردة هانىء بن نيار البلوي حليف الأنصار وهو عقبيٌّ بدريٌّ وشهد مع علي حروبه كلها.وفي أيامه مات أبو ثعلبة الخشني له صحبة وقيل: مات سنة خمس وسبعين.
وفي أيامه مات أبو جهم بن حذيفة العدوي القرشي في آخرها وقيل: شهد بنيان الكعبة أيام ابن الزبير وكان قد شهد قريشًا حين بنتها.
وفي أول أيامه مات أبو حثمة الأنصاري والد سهل.
وفي آخر أيامه مات أبو قيس الجهني شهد الفتح.
وفي سنة ستين توفي صفوان بن المعطل السلمي بسميساط وقيل: إنه قتل شهيدًا قبل هذا.
وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين تزوجها ففارقها وكانت قد أصابها جنون وتوفي بلال بن الحارث المزني أبو عبد الرحمن.
وفي آخر أيامه مات وائل بن حجر الحضرمي وأبو إدريس الخولاني.
هند بن جارية بالجيم والياء المثناة من تحتها.
وحارثة بن النعمان بالحاء المهملة والثاء المثلثة.
أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين.
ذكر مقتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ
وسار الحسين من شراف فلما انتصف النهار كبر رجلٌ من أصحابه فقال له: مم كبرت قال: رأيت النخل.
فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الأرض نخلة قط! فقال الحسين: فما هو فقالا: لا نراه إلا هوادي الخيل.
فقال: وأنا أيضًا أره ذلك.
وقال لهما: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد فقالا: بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد.
فمال إليه فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم فسبقهم الحسين إلى الجبل فنزل وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة فقال الحسين لأصحابه وفتيانه: اسقوا القوم ورشفوا الخيل ترشيفًا.
ففعلوا وكان مجيء القوم من القادسية أرسلهم الحصين بن نمير التميمي في هذه الألف يستقبل الحسين فلم يزل مواقفًا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين مؤذنه بالأذان فأذن وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن اقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه.
فسكتوا وقالوا للمؤذن: أقم فأقام وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي أنت بأصحابك فقال: بل صل أنت ونصلي بصلاتك.
فصلى بهم الحسين ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه ثم صلى بهم الحسين العصر ثم استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم.
فقال الحر: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر.
فأخرج خرجين مملوءين صحفًا فنثرها بين أيديهم.
فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك! ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك.
فقال له الحسين: ثكلتك أمك! ما تريد قال له: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنًا من كان ولكني والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه.
فقال له الحسين: ما تريد قال الحر: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.
قال الحسين: إذن والله لا أتبعك.
قال الحر: إذن والله لا أدعك.
فترادا الكلام فقال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقًا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحر يسايره.
ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرم الله ناكثًا لعهد الله مخالفًا لسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعلٍ ولا قول كان حقًا على الله أن يدخله مدخله.
ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهلكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10]. وسيغني الله عنكم والسلام.
فقال له الحر: إني أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن.
فقال له الحسين: أبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وما أدري ما أقول لك! ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له: أين تذهب فإنك مقتول! فقال: سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى إذا ما نوى خيرًا وجاهد مسلما وواسى رجالًا صالحين بنفسه وخالف مثبورًا وفارق مجرما فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم كفى بك ذلًا أن تعيش وترغما فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه فكان يسير ناحيةً عنه حتى انتهى إلى عذيب الهجانات كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسًا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي وانتهوا إلى الحسين فأقبل إليهم الحر وقال: إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم.
فقال الحسين: لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك.
فكف الحر عنهم فقال لهم الحسين: أخبروني خبر الناس خلفكم.
فقال له مجمع بن عبيد الله العائذي وهو أحدهم: أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم ألبٌ واحدٌ عليك وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غدًا مشهورة إليك.
وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر فأخبروه بقتله وما كان منه فترقرقت عيناه بالدموع ولم يملك دمعته ثم قرأ: {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا} [الأحزاب: 23]. اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك.
وقال له الطرماح بن عدي: والله ما أرى معك كثير أحدٍ ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيومٍ ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعًا في صعيد واحد أكثر منه قط ليسيروا إليك فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرًا فافعل فإن أردت أن تنزل بلدًا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض والله ما إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسليم من طيء فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيء رجالًا وركبانًا ثم أقم فينا ما بدا لك فإن هاجك هيجٌ فأنا زعيمٌ لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم فوالله لا يوصل إليك أبدًا وفيهم عين تطرف.
فقال له: جزاك الله وقومك خيرًا! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر جمعه على الانصراف ولا ندري علام تتصرف بنا وبهم الأمور.
فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره ففعل ثم عاد إلى الحسين فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله.
ثم سار الحسين حتى بلغ قصر بني مقاتل فرأى فسطاطًا مضروبًا فقال: لمن هذا فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي.
فقال: ادعوه لي.
فلما أتاه الرسول يدعوه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها والله ما أريد أن أراه ولا يراني.
فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره فلبس الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ودعاه إلى نصره فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة قال: فإن لا تنصرني فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك.
فقال له: إما هذا فلا يكون أبدًا إن شاء الله تعالى.
ثم قام الحسين فخرج إلى رحله ثم سار ليلًا ساعةً فخفق برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: إنا
لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين.
فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: يا أبت جعلت فداك! مم حمدت واسترجعت قال: يا بني إني خفقت برأسي خفقةً فعن لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا.فقال: يا أبت لا أراك الله سوءًا.
ألسنا على الحق قال: بلى والذي يرجع إليه العباد.
قال: إذن لا نبالي أن نموت محقين.فقال له: جزاك الله من ولد خيرًا ما جزى ولدًا عن والده.
فلما أصبح نزل فصلى ثم عجل الركوب فأخي يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فأتى الحر فرده وأصحابه فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردًا شديدًا امتنعوا عليه وارتفعوا فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة فوقفوا ينتظرونه فسلم على الحر ولم يسلم على الحسين وأصحابه ودفع إلى الحر كتابًا من ابن زياد فإذا فيه: أما بعد فجعجع بالحسين حتى يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصين وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام.
فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره.
وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية فقالوا: دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شفية.
فقال: لا أستطيع هذا الرجل قد بعث عينًا علي.
فقال زهير بن القين للحسين: إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا ابن رسول الله وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به! فقال الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال.
فقال له زهير: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي على شاطىء الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم.
فقال الحسين: ما هي قال: العقر.
قال: اللهم إني أعوذ بك من العقر! ثم نزل وذلك يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين.
فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف في دستبى وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده على الري فعسكر بالناس في حمام أعين فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك.
فاستعفاه.
فقال: نعم على أن ترد عهدنا.
فلما قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى أنظر.
فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن
أخته فقال: أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين! فقال: أفعل.
وبات ليلته مفكرًا في أمره فسمع وهو يقول: أأترك ملك الري والري رغبةً أم أرجع مذمومًا بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها حجابٌ وملك الري قرة عين ثم أتى ابن زياد فقال له: إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه وسمى أناسًا.
فقال له ابن زياد: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا.
قال: فإني سائر.
فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه رسولًا يسأله ما الذي جاء به فقال الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم فأما إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم.فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص ثم كتب إلى عمر يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا رأينا وأن يمنعه ومن معه الماء.
فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على
الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء.
وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ونادى عبد الله بن أبي الحصين الأزدي وعداده في بجيلة: يا حسين أما تنظر إلى الماء لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشًا! فقال الحسين: اللهم اقتله عطشًا ولا تغفر له أبدًا.
قال: فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء القلة ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغر ثم يقيء ثم يشرب فيما يروى فما زال كذلك حتى مات.
فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في عشرين راجلًا يحملون القرب وثلاثين فارسًا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملؤوا القرب وعادوا ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك.
فخرج إليه عمر فاجتمعا وتحادثا طويلًا ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين.
فقال عمر: أخشى أن تهدم داري.
قال: أبنيها لك خيرًا منه.
قال: تؤخذ ضياعي.
قال: أعطيك خيرًا منها من مالي بالحجاز.
فكره ذلك عمر.
وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه وقيل: بل قاله له: اختاروا مني واحدة من ثلاث: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه
رأيه وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلًا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم.
وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس.
فلم يفعلوا.
ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارًا ثلاثًا أو أربعًا فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد: إما بعد فإن الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح.
فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه نعم قد قبلت.
فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت كنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك ولله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين.
فقال ابن زياد: نعم ما رأيت الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلمًا وإن أبوا فليقاتلهم وإن فعل فاسمع له وأطع وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس واضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
وكتب معه إلى عمر بن سعد: أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعًا انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلمًا وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فإن قتل الحسين فأوطىء الخيل صدره وظهره فإنه عاقٌّ شاقٌّ قاطع ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر والسلام.
فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله بن أبي المحل بن حزام عند ابن زياد وكانت عمته أم البنين بنت حزام عن علي فولدت له العباس وعبد الله وجعفرًا وعثمان فقال لابن زياد: إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانًا فافعل فكتب لهم أمانًا فبعث به مع مولى له إليهم فلما رأوا الكتاب قالوا: لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان ابن سمية.
فلما أتى شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر قال له: ما لك ويلك قبح الله ما جئت به! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به أفسدت علينا أمرًا كنا رجونا أن يصلح والله لا يستسلم الحسين أبدًا والله إن نفس أبيه لبين جنبيه.
فقال له شمر: ما أنت صانع قال: أتولى ذلك.
ونهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر فدعا العباس بن علي وإخوته فخرجوا إليه فقال: أنتم يا بني أختي آمنون.
فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ثم ركب عمر والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيًا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته فرفع رأسه فقال: إني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام فقال: إنك تروح إلينا.
قال: فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتاه! قال: ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله! قال له العباس أخوه: يا أخي أتاك القوم.
فنهض فقال: يا أخي أركب بنفسي.
فقال له العباس: بل أروح أنا.
فقال: اركب أنت حتى تلقاهم فتقول: ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم.
فأتاهم في نحو عشرين فارسًا فيهم زهير بن القين فسألهم فقالوا: جاء أمر الأمير بكذا وكذا.
قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.
فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم الله فلما أخبره العباس بقولهم قال له الحسين: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار.
وأراد الحسين أيضًا أن يوصي أهله.
فرجع إليهم العباس وقال لهم: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه وإما رددناه.
فقال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر قال: أنت الأمير.فأقبل على الناس فقال: ما ترون فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم.
وقال قيس بن الأشعث بن قيس: أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة.
فقال: لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية.
ثم رجع عنهم.
فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال: أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدةً وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين فاجعلنا لك من الشاكرين أما بعد فإني لاأعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعًا عني خيرًا ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا وإني قد أذنت لكم جميعًا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعًا ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري.
فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وابناء عبد الله بن جعفر: لم نفعل هذا لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدًا! فقال الحسين: يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا فقد أذنت لكم.
قالوا: وما نقول للناس نقول: تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن منهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك! وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك.
أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك.
وتكلم أصحابه بنحو هذا فجزاهم الله خيرًا.
وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري يا دهر أفٍ لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالبٍ قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل وكل حيٍ سالك السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثًا فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه ونادت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم! ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي! فذهب فنظر إليها وقال: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان.
قالت: بأبي أنت وأمي استقتلت! نفسي لنفسك الفدى! فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال: لو ترك القطا ليلًا لنام.
فلطمت وجهها وقالت: وا ويلتاه! أفتغصبك نفسك اغتصابًا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي! ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيًا عليها.
فقام إليها الحسين فصب الماء على جهها وقال: اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالكٌ إلا وجه الله أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.
فعزاها بهذا ونحوه وقال لها: يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي جيبًا ولا تخمشي علي وجهًا ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت.
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت فيستقبلون القوم من وجه أحد والبيوت على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم.فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون ويدعون.
فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقيل الجمعة يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مطهر في ميسرتهم وأعطى رايته العباس أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل لئلا يؤتوا من ورائهم وأضرم نارًا تمنعهم ذلك.
وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي وعلى ميسرته شمر ابن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس الأحمسي وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي وأعطى الراية دريدًا مولاه. فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط ثم أمر بمسك فميث في جفنة ثم دخل الحسين فاستعمل النورة ووقف عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير بن حضير الهمداني على باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده فجعل برير يهازل عبد الرحمن فقال له: والله ما هذه بساعة باطل.
فقال برير: والله إن قومي لقد علموا أني ما أحببت الباطل شابًا ولا كهلًا ولكني مستبشر بما نحن لاقون والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم.
فلما فرغ الحسين دخلا ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه واقتتل أصحابه بين يديه فرفع يديه ثم قال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من همٍ يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبةً إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة.
فلما رأى أصحاب عمر النار تلتهب في القصب نادى شمر الحسين: تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة! فعرفه الحسين فقال: أنت أولى بها صليًا! ثم ركب الحسين راحلته وتقدم إلى الناس ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظهم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي
عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل وإن لم تقبلوا مني العذر {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمةً ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس: 71] {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 96]. ! قال: فلما سمع أخواته قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليًا ليسكتاهن وقال: لعمري ليكثرن بكاؤهن! فلما ذهب قال: لا يبعد ابن عباس وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه أن يخرج بهن معه.
فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء وقال ما لا يحصى كثرة فما سمع أبلغ منه ثم قال: أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وبان عمه وأولى المؤمنين بالله والمصدق لرسوله أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لي ولأخي: أنتما سيدا شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبًا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد
أو زيد بن أرقم أو أنسًا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي.
فقال له شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول! فقال له حبيب بن مطهر: والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفًا وإن الله قد طبع على قلبك فلا تدري ما تقول.
ثم قال الحسين: فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم.
أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو بمال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة فلم يكلموه فنادى: يا شبث بن ربعي! ويا حجار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا زيد بن الحارث! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم قالوا: لم نفعل.
ثم قال: بلى فعلتم.
ثم قال: أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض.
قال: فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم ابن عمك يعني ابن زياد فإنك لن ترى إلا ما تحب.
فقال له الحسين: أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل ولا أقر إقرار العبد.
عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته ونزل وخرج زهير بن القين على فرس له في السلاح فقال: يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار إن حقًا على المسلم نصيحة المسلم ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن أمة وأنتم أمة إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون مهما إلا سوءًا يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانىء بن عروة وأشباهه! قال: فسبوه وأثنوا على ابن زياد وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلمًا.
فقال لهم: يا عبدا الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
فرماه شمرٌ بسهم وقال: اسكت اسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال زهر: يا ابن البوال على عقبيه! ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة! والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.
فقال شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.
قال: أفبالموت تخوفني
والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم! ثم رفع صوته وقال: يا عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي فوالله لا تنال شفاعة محمد قومًا أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم.
فأمره الحسين فرجع.
ولما زحف عمر نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل قال له: إي إي والله قتالًا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضىً فقال عمر بن سعد: والله لو كان الأمر إلي لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك.
فأقبل يدنو نحو الحسين قليلًا قليلًا وأخذته رعدة فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قط ما أراه الآن! ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك.
فقال له: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا أختار على الجنة شيئًا ولو قطعت وحرقت.ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فقال له: جعلني الله فداك يا ابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان ووالله ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدًا ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبدًا فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ووالله لو ظننت أنهم